جان لوئيس بوركهارت

47

رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان

يسكن في أقصى الجنوب . وألح علينا في البقاء عنده الليل كله ، ولما كنت أعلم أنه لا يرمى من وراء ذلك إلا لابتزاز هدية منى ، فقد نفحته بقطعة صابون كبيرة ، فسمح لنا بالرحيل . والطريق إلى صاى يتجه غربا بجنوب ، وبعد ساعتين بلغنا مكركة ، وبعد أربع ساعات كنيسة . ولا يزرع من السهل هنا إلا أقله ، وتكثر السنامكى الجيدة ، ولكنها لا تبلغ جودة السنا التي تنمو في الجبل الشرقي . ويجمعها عرب القراريش كلما اشتد عليها الطلب في إسنا « 1 » . وحدود النهر الغربية رملية مقفرة . وبعد خمس ساعات وصلنا الشيخ مجدرة وهو نجع مبنى حول ضريح ولىّ . وفي هذا المكان كغيره من بلاد النوبة يجد المسافر الظمآن ، على مسافات متقاربة ، أزيارا من الماء على جانب الطريق تحت سقيفة منخفضة ، وتدفع كل قرية راتبا شهريا صغيرا لشخص يملأ هذه الأزيار صباح ومساء . وهي شائعة في صعيد مصر ، ولكن على نطاق واسع ، وكثيرا ما يجد المرء إلى جوار البئر خانا صغيرا يزود المسافر بالماء « 2 » . وبعد خمس ساعات ونصف بلغنا عمارة وهي نهاية إقليم سلكوت ، ويبدأ جنوبيها إقليم صاى . وفي سهل عمارة أطلال معبد مصرى جميل ، تخلفت منه أبدان أعمدة ستة كبيرة من أعمدة البهو مصنوعة من الحجر الجيرى ، وهي الوحيدة التي رأيتها من نوعها ، فكل المعابد المصرية هنا مبنى بالحجر الرملي . ونقوش هذه الأعمدة تقليد لنقوش فيلة ، وصناعتها متوسطة الجودة ، ولكنها أفضل كثيرا من

--> ( 1 ) يحتكر المسيو روزتى تجارة السنامكى منذ سنوات كثيرة ، وله في إسنا وأسوان عملاء . ولما كان محمد على قد أجر بالالتزام كل السلع التجارية تقريبا ، الأجنبية منها والوطنية ، فقد دفع المسيو روزتى عن احتكاره السنامكى 150 كيسا في السنة ، أعنى نحو 3500 جنيه ( انجليزى ) . ( 2 ) ذكرت أن مياه الآبار في الصعيد من أردأ أنواع المياه مع أن الآبار محفورة قرب النهر ، وهو الذي يمدها من غير شك بالماء الذي يتسرب في جوف الأرض بعد الفيضان ويتجمع على عمق يتراوح بين عشرين قدما وثلاثين .